المسار العسكري للرئيس الراحل اليمين زروال: من خنادق ثورة التحرير إلى قيادة الجيش
يُجمع العارفون بتاريخ الجزائر المعاصر على أن شخصية الرئيس الراحل "اليمين زروال" السياسية الصارمة، لم تكن سوى امتداد طبيعي وانعكاس مباشر لـ تاريخ اليمين زروال العسكري في صفوف جيش التحرير والجيش الوطني الشعبي. لقد كان مساره العسكري مدرسة حقيقية في التضحية، الانضباط، والوطنية الخالصة. في هذا التقرير الوثائقي المفصل، نقتفي أثر المحطات الكبرى في المسيرة العسكرية لليمين زروال، وكيف تحول من مجاهد شاب في جبال الأوراس إلى مهندس لعصرنة القوات المسلحة الجزائرية.
1. البدايات المبكرة: تلبية نداء ثورة التحرير المظفرة (1957)
لم ينتظر الشاب اليمين زروال طويلاً ليلبي نداء الوطن؛ ففي سن السادسة عشرة، اتخذ قراره المصيري بترك مقاعد الدراسة والالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني (ALN). بدأ مساره الثوري في القلب النابض للثورة، الولاية الأولى التاريخية (الأوراس)، حيث تمرس على فنون حرب العصابات والصمود الجبلي القاسي. وبفضل شجاعته الفائقة وانضباطه العالي، تدرج سريعاً في الرتب الميدانية، ليبرز كواحد من الكوادر الشابة التي عوّلت عليها قيادة الثورة في التنسيق العسكري داخل المنطقة العملياتية بالشرق الجزائري.
2. التكوين الأكاديمي والاحترافية: بناء عقيدة الجيش الحديث
غداة الاستقلال عام 1962، أدرك زروال برؤيته الثاقبة أن بناء "دولة لا تزول بزوال الرجال" يتطلب جيشاً نظامياً، عصرياً، ومتعلماً. ولذلك، يُعد التكوين العسكري لليمين زروال في الخارج من أهم ركائز احترافيته القيادية. فقد تلقى تكويناً عالي المستوى في المدرسة العسكرية بفرنسا لفهم المناهج الغربية في التنظيم، ثم انتقل إلى أكاديمية "فوروشيلوف" العريقة بالاتحاد السوفيتي لتعميق معارفه في الاستراتيجية العسكرية الكبرى، مما مكنه من الدمج بعبقرية بين المدارس الشرقية والغربية في الإدارة العسكرية الجزائرية.
3. قيادة النواحي العسكرية: حارس الحدود الاستراتيجية
شغل اليمين زروال مناصب قيادية ميدانية وحساسة، أثبت فيها قدرة فائقة على إدارة الأزمات الأمنية المعقدة وحماية التراب الوطني:
- قيادة الناحية العسكرية السادسة (تمنراست): لعب دوراً محورياً وحاسماً في تأمين الحدود الجنوبية للجزائر، ومواجهة التحديات الأمنية المبكرة في منطقة الساحل الإفريقي الشاسعة.
- قيادة الناحية العسكرية الخامسة (قسنطينة): أشرف بصرامة على تنظيم الوحدات القتالية في الشرق الجزائري، مع التركيز المكثف على الرفع من الجاهزية القتالية للأفراد وتحديث العتاد.
4. قيادة القوات البرية: مهندس عصرنة الجيش الوطني الشعبي
تُعتبر فترة توليه قيادة القوات البرية الجزائرية بمثابة العصر الذهبي لإعادة هيكلة وعصرنة هذا السلاح الحيوي. عمل زروال بجهد على تطوير العقيدة القتالية، محولاً الجيش من هيكل "كلاسيكي" إلى قوة ضاربة ومرنة قادرة على مواجهة الحروب غير المتناظرة. كما أشرف شخصياً على صفقات تسليح استراتيجية ركزت على "النوعية لا الكمية"، لضمان التفوق الإقليمي والحماية المطلقة للأجواء والحدود الجزائرية.
5. الاستقالة التاريخية (1990): مبادئ عسكرية لا تساوم
في خطوة نادرة في تاريخ الجيوش، تظل أسباب استقالة اليمين زروال من الجيش سنة 1990 محل احترام وتقدير كبيرين من طرف الجزائريين. ففي خضم تحولات سياسية كبرى كانت تشهدها البلاد، رفض زروال خططاً تقنية وهيكلية رأى أنها تتعارض مع "عقيدة الجيش الوطني الشعبي" واستقلاليته. آثر الانسحاب بهدوء والعودة إلى مسقط رأسه بباتنة بكرامة، رافضاً البقاء في المنصب مقابل التنازل عن مبادئه العسكرية الصارمة.
6. العودة كوزير للدفاع: صمام الأمان في العشرية السوداء
عندما اشتدت الأزمة الأمنية وكادت تعصف بكيان الدولة في عام 1993، لبى زروال نداء الواجب واستُدعي مجدداً ليتولى حقيبة وزارة الدفاع الوطني. وفي ظرف قياسي، وضع استراتيجية عسكرية وأمنية متكاملة لمكافحة الإرهاب، فك الحصار عن المدن، وتأمين المنشآت الحيوية، والأهم من ذلك: الحفاظ على تماسك ووحدة المؤسسة العسكرية في وجه ضغوط داخلية ودولية هائلة.
خلاصة: المحطات البارزة في مسيرة "جنرال النزاهة"
لم يكن المسار العسكري لليمين زروال يوماً بحثاً عن رتب أو نفوذ، بل كان رحلة طويلة من الالتزام الوطني الخالص. لقد جسّد صورة "المجاهد المحترف". نلخص لكم مسيرته الحافلة في هذا السجل الزمني:
| المرحلة الزمنية | المحطة العسكرية / الإنجاز التاريخي |
|---|---|
| 1957 | الالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني (الولاية الأولى - الأوراس) في سن الـ 16. |
| ما بعد 1962 | التكوين الأكاديمي العالي في فرنسا وأكاديمية فوروشيلوف بالاتحاد السوفيتي. |
| فترة الثمانينيات | قيادة النواحي العسكرية السادسة (تمنراست) والخامسة (قسنطينة) لتأمين الحدود. |
| أواخر الثمانينيات | تولي قيادة القوات البرية وإطلاق مشروع عصرنة الجيش وتطوير عقيدته القتالية. |
| 1990 | تقديم الاستقالة التاريخية من قيادة الأركان رفضاً للتنازل عن مبادئه وعقيدة الجيش. |
| 1993 | تولي وزارة الدفاع الوطني لقيادة جهود مكافحة الإرهاب والحفاظ على تماسك الدولة. |
المسار العسكري للرئيس الراحل اليمين زروال: من خنادق ثورة التحرير إلى قيادة الجيش | DZ Pro News
رابط المصدر الأصلي: المسار العسكري للرئيس الراحل اليمين زروال: من خنادق ثورة التحرير إلى قيادة الجيش